مـــنــتـدى الدكتور أحمد عرفة


 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 التيسير في الفتوى وضوابطه (1)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 708
تاريخ التسجيل : 04/05/2011
العمر : 33

مُساهمةموضوع: التيسير في الفتوى وضوابطه (1)   الجمعة أكتوبر 28, 2016 7:59 pm

التيسير في الفتوى وضوابطه
إن التيسير الذي دعت إليه الشريعة, ودلت عليه النصوص هو السماحة, والسهولة, ورفع الحرج عن المكلف بما لا يصادم نصاً شرعياً, مراعاة للظرف, والزمان, والمكان, والوضع الاجتماعي, والسياسي الذي حصلت فيه الواقعة ما دام أن هناك مخرجاً شرعياً يسنده دليل شرعي, فعلى المفتي مراعاة ذلك, فليس الحكم للقوي مثل الضعيف, ولا للأمن مثل الخائف, ولا من كان في حال السعة كمن كان في حال الاضطرار أو الحاجة, ومن تتبع الهدي النبوي وجد ذلك جلياً.
وليس معنى التيسير أن يلجأ إلى التيسير مطلقاً متجاهلاً مدلولات النصوص ومراميها, فلا يجوز أن يخل التيسير بمقصد من مقاصد الشريعة, أو يتعارض مع مقتضيات النصوص الشرعية.
وليس معنى التيسير أن يجنح المفتى بالفتوى حسب رغبة المستفتي، فيفتيه من الأقوال –إن كانت خلافية – بما يناسب رغبته، وإن كانت حجته داحضة تيسيراً عليه، فإن التيسير في الشريعة لا يعني الجري وراء رغبات الناس وأهوائهم أيّاً كانت، بل أُنزلت الشريعة لتجمع هذه الرغبات وتصبها في قالبها الشرعي وتصبغها بصبغتها.
وليس معنى التيسير الخضوع لضغط الواقع ، فقد أصيب فئام من المتصدرين للفتوى بهزيمة روحية ونفسية أمام الضغط العنيف والمتتابع على الأمة، فجاءت فتاواهم تبريراً للواقع المنحرف وتسويغاً لأباطيله بأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان؛ ولذا رأينا بعضهم يفتي بعدم شرعية تعدد الزوجات حياءً من الغرب، ومنهم من برر الفوائد الربوية.(التيسير في الفتوى، للكندي صـ84).
وليس من التيسير أن يعمد المفتي إلى العمل بما شاء من الأقوال والوجوه من غير نظر في الترجيح, بل يكتفي بمجرد كون ذلك قاله إمام, أو وجها ذهب إليه جماعة, بل يجب على المفتي أن يفتي بما يعتقد أنه الحق، وليس التيسير أن تستحل محرمات أو تفلسف وتلصق بالشريعة على أنها مشروعة باسم التيسير.
لقد أدت سيطرة روح التيسير ورفع الحرج على عقول كثير إلى الإفتاء بالضرورة في غير مكانها, ظانين أنهم بذلك يقربون الناس إلى دائرة الدين, ولكن الواقع يثبت يوما بعد يوم أن الناس لا يدخلون الدين من هذا الباب إلا ليخرجوا من باب آخر, لتكون الخسارة بذلك مضاعفة نتيجة لمثل هذا التيسير غير المنضبط .
وكما أن للتيسير فوائد فللتشديد والإلزام فوائد أيضاً, ولا شك أن مفهوم التيسير يخاطب التدين عند الشخص غالباً, أي إنه مفهوم يحقق الطمأنينة للشخص من حيث عدم تصرفه مخالفاً لمرضاة الله سبحانه حتى في حالات التي يواجهها خلال قيامه بواجب العبودية لله تعالى, ولذا يجب تقويم هذه الحالات بحسب ظروف كل مكلف وبحسب درجة تأثير المشقة, وكذا بحسب التوازن بين المشقة التي تسببها حالة العذر وبين مدى أهمية حكم العزيمة الذي سيترك لوجود ذلك العذر, وتقدير ذلك للمفتي والمكلف ويكون في ضوء المبادئ العامة لرفع الحرج .
ومن التيسير أن يعرض الاضطرار للأمة, أو طائفة عظيمة منها يستدعي الإقدام على الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي من سلامة الأمة أو بقاء قوتها أو نحو ذلك, ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة.
وخلاصة القول أن المرجع في التيسير يكون دائماً بالنظر إلى ما فيه مصلحة المسلمين المعتبرة شرعاً, والتي لا تخالف مقصداً شرعياً ثابتاً, حسب قاعدةSadإذا ضاق الأمر اتسع) وإضافة إلى اعتبار حياة الناس وأعرافهم وما عمت به البلوى في محيطهم دون هتك للأصول, وعندئذ نلوذ بما يسر الله وما خفف عنا مما تشمله قاعدةSadما عمت بليته خفت قضيته).( التيسير في الفتوى، للكندي صـ85 وما بعدها).
وللتيسير في الفتوى ضوابط وأصول لا بد للمفتى من مراعاتها عند الإفتاء، ومنها:
1-وجود ما يدعو إلى التيسير: فلا بد أن يوجد ما يدعو إلى التيسر من ضرورة أو حاجة تتنزل منزلة الضرورة أو مشقة تستوجب التيسير, والتحقق من حصول المشقة التي يستدعي. فإن التيسير ينبغي ألا يكون متخذاً للبعث في الدين أو مجاراة أهواء الناس أو التشهي وموافقة أغراض الناس.
فإذا وجدت مشقة حقيقية غير معتادة أو ضرورة يترتب على مخالفتها خطر, أو حاجة تنزل منزلة الضرورة – عامة أو خاصة – ويترتب على مخالفتها عسر وصعوبة وعنت, فعندئذ يتوجه الأخذ بالأيسر, ويصح للمفتي أن يعمل بمبدأ التيسير, لأن القاعدة أنSadالضرورات تبيح المحظورات).
قال الإمام ابن القيم رحمه اللهSadلا يجوز للمفتي تتبع الرخص لمن أراد نفعه, فإن تتبع ذلك فسق, وحرام استفتاؤه) .( إعلام الموقعين4/222).
2- أن يغلب على الظن حصول المقصود من التيسير: فإذا كان الإفتاء بالأيسر لن يرفع الحرج ولن يزيل المشقة, ولن يحقق المقصود منه في حصول التيسير على المستفتي– فليس له فائدة ويكون العمل عبثاً, وشرع الله تعالى منزه عن العبث واللغو.
3-ألا يترتب على الأخذ بالأيسر مصادمة الشريعة: فيشترط للتيسير عليه ألا يترتب معارضة مصادر الشريعة القطعية أو أصولها ومبادئها العامة, كأن يكون الأخذ بالأيسر مخالفا للإجماع أو مصادماً لنص صريح, أو لقواعد مقررة ثابتة بنصوص الكتاب والسنة, فإن القول – مثلاً – بجواز الربا القليل على جهة التيسير مصادمة لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (البقرة:278).
يقول الإمام القرافي رحمه اللهSad كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح, لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى, فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه, وما لا نقره شرعاً بعد تقرره بحكم الحاكم أولى ألا نقره شرعاً إذا لم يتأكد, وهذا لم يتأكد فلا نقره شرعاً, والفتيا بغير شرع حرام, فالفتيا بهذا الحكم حرام).(الفروق، للقرافي 2/109).
4-استناد التيسير إلى دليل: فالقول بالتيسير لا بد له من دليل شرعي يسنده ويؤيده , أما أن يفتي المفتي بالتيسير دون ضابط من دليل كتاب أو سنة أو اجتهاد فهذا ما لا يقره الشرع. وللحديث بقية إن شاء الله
د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر هذا المقال بجريدة صوت الأزهر في العدد الصادر بتاريخ 26/2/2016م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://arafa123.montadarabi.com
 
التيسير في الفتوى وضوابطه (1)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـــنــتـدى الدكتور أحمد عرفة :: المقالات والخطب-
انتقل الى: