مـــنــتـدى الدكتور أحمد عرفة


 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 التيسير في الفتوى وضوابطه (2)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 708
تاريخ التسجيل : 04/05/2011
العمر : 33

مُساهمةموضوع: التيسير في الفتوى وضوابطه (2)   الجمعة أكتوبر 28, 2016 8:01 pm

التيسير في الفتوى وضوابطه (2)
5- ومن ضوابط التيسير في الفتوى تركُ الرُّخَصِ والزلاَّت: فعلى المفتي إذا أراد التيسير أن يطلبه من الوجه الصحيح الذي وصفه الشارعُ؛ لأن في ذلك حصول المصلحةِ والتخفيفِ على وجه الكمال, وهذا يتطلبُ من المفتي أن يكون عالماً بأوجهِ ومجالاتِ التيسير في الشريعة ليَتَحرَّاها, ولا يصحُّ أن يسلُكَ الطرقَ غيرَ الصحيحةِ كتَتَبُّعِ الرُّخَصِ, والبحثِ عن شواذِ الأقوالِ, والحِيَلِ الفاسدةِ, وغيرها مما ليس مشروعاً, إذ الغايةُ لا تبررُ الوسيلةَ, ولأنَّ المفتي لو أفتى الناسَ بالرُّخَص في كل شيء وفي كل حالٍ ولكلِّ شخصٍ, لذَابَ الدِّينُ بين الناس, وأصبحَ الأصلُ هو الترخُّصُ لا العزيمةُ .(الفتوى د/ محمد يسري صـ433).
يقول الإمامُ يحيى القطان رحمه اللهSadلو أن رجلاً عملَ بكلِّ رخصةٍ, يعمل بمذهب أهل الكوفة في النبيذ, وأهل المدينة في السماع, وأهل مكة في المتعة, لكان فاسقاً).(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر بن الخلال حديث:‏171‏).
6-عدم ترتب مفسدةٍ على التيسير عاجلاً أو آجلاَ: فيجب على المفتي أن يراعي في التيسير قاعدةَ المال وقاعدةَ سدِّ الذرائع, وأن يلاحظَ ما يترتبُ على فتواه, ولا يسوغُ له أبدًا أن يُفتي- ولو على سبيل التيسير – بما يكون سببًا لنشر فتنةٍ أو وقوعِ ضررٍعامٍ , ولو كان رأيُهُ رأياً شرعياً, فمثلاً لا يصحُّ أن يفتي المفتي بقاعدة الظفر بالحق, إذا غلب على ظنه أن العلم بها سيؤدي إلي فتنٍ وشرورٍ.(الفتوى د/ محمد يسري صـ433).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللهSadعلى المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضرُّ بالمسلمين ويثيرَ الفتنَ بينهم, وله أن يمتنع عن الفتيا إن كان قَصْدُ المستفتي – كائناً من كان – نُصرةَ هواه بالفتوى, وليس قصْدُهُ معرفةَ الحقِّ واتِّبَاعِهِ).(مجموع الفتاوى28/ 198).
7- ومن التيسير في الفتوى مراعاةُ حال المستفتي: فالمفتي يجب أن يكون على إدراكٍ بأحوالِ المستفتي ليعطيه ما يُناسبُهُ من الأحكام, وليضعَ الرُّخصَةَ موضعها, ويجب أيضاً أن يكون عالماً بمسالك المستفتين ومأربهم, فمن الناس من يتخذُ التيسير وسيلةً إلى الإقدامِ على المُحرمات, ولا يَزِيدُهُ الإفتاءُ بالأيسر إلا إصرارًا على المعصيةِ واغترارًا بحاله .
والناس متفاوتون في درجة تمسكهم بدينهم واستقامتهم عليه, فمنهم الحريصُ على أحكام الدِّينِ الذي يحملُ نفسه على العزيمة وعلى مقتضى الورع ومنهم المتساهلُ الباحث عن المخارج اللاهثُ وراء الحِيَلِ, المائلُ إلى التفلُّتِ من الأحكام، والمفتي يجب أن يكون يقظاً منتبهاً لهذه الفروق وهذا التفاوت بين الناس.
وقد ذكر الفقهاء أسباباً كثيرةً لها أثرُها القوي في التحول من التشدد إلى التيسير، ومن العزيمة إلى الرخصة، كالسفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، كما أن هناك مبادئَ أصوليةً استخلصها العلماءُ والأصوليونَ لها أثرُها في ذلك وهي على النحو الآتي:
1-المشقة: فإن المشقةَ توجبُ التيسيرَ وتجلبُهُ ، والأمر إذا ضاق اتسع ، وقد ضبط السيوطي رحمه الله المشقةَ التي تجلب التيسيرَ فقال: المشاق على قسمين: مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً: كمشقة البرد في الوضوء، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، والرجم في الزنا، وقتل الجناة، فلا أثر لهذا في إسقاط العبادات في كل الأوقات، والمشقة التي لا تنفك عنها العبادات غالباً هي على مراتب: المرتبة الأولى: مشقة عظيمة وفادحة: كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، فهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعاً.
المرتبة الثانية: مشقةٌ خفيفةٌ لا وقع لها كأدنى وَجَعٍ في إصبع اليد والرجل ، وأدنى صُداعٍ في الرأس، أو سُوء مزاج خفيف. فهذا لا أثرَ له في التيسير في الأحكام. المرتبة الثالثة: مشقةٌ متوسطةٌ بين هاتين المرتبتين: فما دنا وقرُبَ من المرتبة الأولى أوجبَ التخفيفَ، أو من الثانية لم يوجب التخفيف ، ولا ضابط لهذه المراتب إلا بالتقريب(الأشباه والنظائر:لابن نجيم صـ80-81).
2-ارتكابُ أخفِّ الضررين: فإذا ما كان هناك خياران أمام المكلف، أحدهما فيه ضررٌ والآخر أشدُّ ضرراً كان ذلك مُوجِباً لارتكاب أخف الضررين، كالحاكم المسلم الذي يتحالف مع عدوٍ لدفعِ خطرِ عدوٍّ أشد خطراً وضرراً منه، فهو يرتكب أخف الضررين، ويدفع أعظم الشرين.
3-تغير الفتوى بمقتضياتها: من تغيرٍ للزمان والمكان والأشخاص والأحوال والنيات والعوائد، وهذا ما قرره ابن القيم وغيره، ومشهورٌ ما فعله الإمام الشافعي رضي الله عنه من تغيرٍ في مذهبه بعد مجيئه إلى مصر، وصار له مذهبان مذهبٌ قديمٌ وآخرٌ جديدٌ، وتغيرُ هذه المتغيراتِ يقتضي الإفتاءَ بما يوائمها، بما لا يتناقضُ مع الأصول الكلية والمبادئ الكبرى في الإسلام.(قواعد الفتوى الشرعية وضوابط التيسير فيها د/ عبد الكريم الخلف- مجلة البحوث الفقهية المعاصرة العدد 72صـ297 وما بعدها).
4-مآل الفتوى: بمعنى أن ينظرَ المفتي في مآلِ فتواه وعواقبِها، فإن أيقنَ أنَّ مآلها ضررٌ وتعسيرٌ، وتحقيقٌ لمصالحَ غيرِ شرعيةٍ امتنع عن هذه الفتوى، وبذلك يكون قد يسَّر على الناس، ومن ذلك امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، مخافةَ أن تقعَ فتنةٌ أكبر جرَّاءَ حَدَاثةِ القومِ بالإسلام، وهذا ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، ألم تر أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، أفلا تردها على قواعد إبراهيم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلمSadلولا حدثان قومك بالكفر لفعلت)(رواه مسلم).
فهذه كلها مبادئٌ لها أثرها في التيسير على الناس في مجال الفتوى، بما استخلصه فقهاؤنا من قواعدَ وضوابطَ تؤثرُ بقوةٍ في عمليةِ التيسيرِ، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

د/ أحمد عرفة
باحث دكتوراه بجامعة الأزهر
عضو الجمعية الفقهية السعودية
Ahmedarafa11@yahoo.com
نشر هذا المقال بجريدة صوت الأزهر في العدد الصادر بتاريخ 25/3/2016م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://arafa123.montadarabi.com
 
التيسير في الفتوى وضوابطه (2)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مـــنــتـدى الدكتور أحمد عرفة :: المقالات والخطب-
انتقل الى: